ابن قتيبة الدينوري

202

تأويل مشكل القرآن

ولم يقل : إلى النجوم . وهذا كما يقال : فلان ينظر في النجوم ، إذا كان يعرف حسابها ، وفلان ينظر في الفقه والحساب والنحو . وإنما أراد بالنظر فيها : أن يوهمهم أنه يعلم منها ما يعلمون ، ويتعرف في الأمور من حيث يتعرفون ، وذلك أبلغ في المحال ، وألطف في المكيدة فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ ( 89 ) [ الصافات : 89 ] أي سأسقم فلا أقدر على الغدوّ معكم . هذا الذي أوهمهم بمعاريض الكلام ، ونيّته أنه سقيم غدا لا محالة ، لأن من كانت غايته الموت ومصيره إلى الفناء - فسيسقم . ومثله قوله تعالى : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ( 30 ) [ الزمر : 30 ] ولم يكن النبي ، صلّى اللّه عليه وسلم ، ميّتا في ذلك الوقت ، وإنما أراد : أنك ستموت وسيموتون . فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى الزّهرة قالَ هذا رَبِّي يريد : أن يستدرجهم بهذا القول ، ويعرّفهم خطأهم ، وجهلهم في تعظيمهم شأن النجوم ، وقضائهم على الأمور بدلالتها . فأراهم أنه معظّم ما عظّموا ، وملتمس الهدى من حيث التمسوا . وكلّ من تابعك على هواك وشايعك على أمرك ، كنت به أوثق ، وإليه أسكن وأركن . فأنسوا واطمأنوا . فَلَمَّا أَفَلَ أراهم النقص الداخل على النجم بالأفول ، لأنه ليس ينبغي لإله أن يزول ولا أن يغيب ، ف قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ واعتبر مثل ذلك في الشمس والقمر ، حتى تبين للقوم ما أراد ، من غير جهة العناد والمبادأة بالتّنقص والعيب . ثم قال : إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وما فيها من نجم وقمر وشمس وَالْأَرْضَ وما فيها من بحر وجبل وحجر وصنم وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ومثل هذا : الحواريّ حين ورد على قوم يعبدون ( بدّا ) « 1 » لهم فأظهر تعظيمه وترفيله « 2 » ، وأراهم الاجتهاد في دينهم ، فأكرموه وفضّلوه وائتمنوه ، وصدروا في كثير من الأمور عن رأيه . إلى أن دهمهم عدوّ لهم خافه الملك على مملكته ، فشاور الحواريّ في أمره ، فقال : الرأي أن ندعو إلهنا - يعني البدّ - حتى يكشف ما قد أظلّنا ، فإنا لمثل هذا اليوم كنّا نرشّحه . فاستكفّوا حوله « 3 » يتضرّعون إليه ويجأرون ، وأمر عدوّهم يستفحل ، وشوكته تشتد يوما بعد يوم . فلما تبين لهم من هذه الجهة أن ( بدّهم ) لا ينفع ولا يدفع ، ولا يبصر ولا يسمع ، قال : هاهنا إله آخر ، أدعوه فيستجيب ،

--> ( 1 ) البدّ : الصنم الذي يعبد ، لا أصل له في اللغة ، فارسي معرب ، والجمع : البددة ، بفتح الباء والدال . ( 2 ) الترفيل : التسويد والتعظيم ، ورفلت الرجل : إذا عظمته وملّكته . ( 3 ) استكفّوا حوله : يقال : استكف القوم حول الشيء : أي أحاطوا به ينظرون إليه .